عبد الوهاب الشعراني

204

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

إلى أن لا يغيب عنه من العالم ذرة إلّا ما كان فوق دائرته فتأمل . وكذلك ينبغي لنا أن نحث المترددين إلينا على حضور مجالس الذكر ونحارب من سعى في إبطال مجلس ذكر ونجادله ونباحثه ، فإن ظهر الحق على يديه أيدناه وقاتلنا معه ، وذلك لأن غالب من يعقد مجالس الذكر في المساجد يدخله الدخيل من حب الرياء والسمعة والشهرة ، لا سيما في مثل جامع الأزهر ، فإن ذكر اللّه تعالى من أعظم القربات ، ومثل ذلك يقعد له إبليس في كل مرصد ، حتى يحرف نيته واحتفاف القرائن ملحق بالأدلة ، ولم يزل الجدال بين طلبة العلم وبين المتصوفة في شأن هذه المجالس ، والحق أحق أن يتبع ، فلا ينبغي لعاقل أن يجهر بذكر اللّه في مسجد إلا إذا لم يشوش على نائم أو مصلّ أو مدرس لعلم ، فإن احتفت القرائن في إخلاص الذاكرين للّه تعالى نصرناهم أو بإخلاص المطالع للعلم نصرناه ، ويحتاج من يمشي بين هؤلاء إلى نور عظيم وسياسة عظيمة . وقد وقع للجنيد أن الإمام أحمد بن سريج قال له : إن رفع أصواتكم بالذكر يؤذي حلقتنا في العلم ، فقال له ينبغي مراعاة أقرب الطريقين إلى اللّه تعالى ، فقال ابن سريج : فإذا وجب مراعاة طريقتنا لأنها أقرب إلى اللّه تعالى من طريقكم ، فقال الجنيد : وما علاقة القرب ؟ قال ابن سريج : أن يكون الغالب عليه شهود الحق ، فقال الجنيد هذا عليكم لا لكم ، لأن الغالب عليكم إنما هو شهود أحكام دين اللّه لا اللّه ، فقال ابن سريج : نريد حالة يقع الامتحان بها ، فقال الجنيد يا فلان خذ هذا الحجر وألقه في حضرة هؤلاء الفقراء ، فألقاه فصاحوا كلهم : اللّه ثم قال له : خذ هذا الحجر وألقه بين هؤلاء الذين يطالعون في العلم ، فألقاه فقالوا له : حرام عليك ، فقال ابن سريج الحق معك يا أبا القاسم . وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من علامة ترجيح ذكر اللّه على قراءة العلم ثقل العلم على لسان الإنسان وهو يطالع في الروح وخفة ذكر اللّه تعالى ، فإن المشرف على الانتقال من هذه الدار يجب عليه استغنام ما هو الأفضل ، فلو كان تعلم مسائل الفقه والنحو والأصول أفضل لما ثقلت على لسان المحتضر وأهل اللّه تعالى لقصر أملهم كأنهم محتضرون في كل وقت ا ه . وأخبرني الشيخ أحمد الضرير المقيم في منية الخنازير بالشرقية ، قال : جاورت عند الشيخ عمر روشني شيخ الشيخ دمرداش بمصر ، وكان في مدينة توريز العجم أن شخصا من علماء توريز اسمه ملا عبد اللطيف كبير المفتين بها سعى في إبطال مجلس الذكر المتعلق بالشيخ عمر في الجامع الكبير وقال : إن المسجد إنما جعل بالأصالة للصلاة ، وكان يحضر ذلك المجلس نحو خمسة آلاف نفس ، فقال الشيخ عمر : فإذا ذكرنا بخفض الصوت تمنعنا من ذلك ، قال : لا فقال الشيخ عمر : معاشر الفقراء اخفضوا أصواتكم في